تنظيم البنوك الإسلامية حاجة الساعة !
انفتحت عين العالم اليوم بعد ما هبت سموم الأزمة المالية ، وشملت العالم كله في قليل أو كثير ، ولعل ذلك كان انفتاح العالم أشد وأقوى من انفتاحه الأول ، فقد أدرك بأم عينيه ما آل إليه الأمر من خلال المادية الراعنة ، التي خانت الماديين في وقت كانوا أحوج شيء إلى مرابحها ، وكان يترقب ثورة في مجال ارتفاع أرقام الثورة في الدول الغنية الكبرى في العالم ، ولكن تحطم هذا الحلم بأدنى هزة حدثت في البورصات العالمية ، وإذا بالبنوك العالمية الكبرى وقعت فريسة الإفلاس بين عشية وضحاها ، وإذا بأثرياء العالم الكبار الذين كانوا فوق الأرقام القياسية تهدمت عروش ثرائهم في طرفة عين .
هذا ما حدث في الواقع الذي شهده تاريخ الاقتصاد العالمي الحديث ، فما من بلد أو قرية إلا وقد أصابه هذا الزلزال ، ومادت به الأرض ، ووقع ما لم يكن في الحسبان ، وقد تأثرت بهذا الحادث المفاجئ ومن على شاكلته ، فقد كان كثيرا من الجماهير مطمئنين في حالتهم الاقتصادية ، كانوا في الليل أغنياء وفي أعلى الوظائف ، ولكنهم أصبحوا مفلسين فقراء ومقطوعين عن الوظائف والمناصب العالية في غدهم ، إن هذه الحالة الفجائية قد ظهرت مع قرب موقع الوداع الأخير للرئيس الأمريكي بوش ، وبدء عهد الرئيس الجديد "أوباما" ، كأن زلزالاً اقتصادياً هز أركان العالم من كل جانب ، وبدا العالم كله يفكر في العامل الرئيس الذي قلب النظام الاقتصادي السائد وهدده بالانهيار ، وقد ظهرت آثاره في البلدان التي كانت تعتمد على المرابح الربوية ، وجعلتها تكاءة تسند الظهور إليها .
هذا ما وقع في الاقتصاد الغربي ، الذي يعتقد أن الثروة أن يزيد ثروته وأمواله من غير كد وجهد بالوسائل الربوية ، وبمجرد القروض التي يستقرضها صاحب الحاجة ، ويردها بفائدة بالنسبة المئوية .
على هذا الأساس يقوم الاقتصاد المادي في الغرب والشرق في جميع المجالات المالية ، والبنوك هي في الواقع ذريعة للتبادل المالي بين صاحب المال والمقترض ، كانت البنوك العالمية كلها تتعامل على هذه الطريقة ، وهي تأخذ الأموال وتعطي صاحب المال الفائدة بالنسبة المئوية ، وتقرض أصحاب الحاجات الذين يطلبون القروض منها على فائدة معينة بنسبة مرتفعة .
لا ريب أن هذه الطريقة غير طبيعية ، تصادم فطرة الإنسان وتتطلب استبدالها بالنظام الطبيعي ، الذي يشرحه الإسلام في الفقه المالي في بعض البلدان الإسلامية ، وأنشأوا بنوكاً إسلامية واجهت في أول أمرها مشكلات من خلال البنوك الربوية ، وتعاملها الغير طبيعي ، وقد حاولت المصارف الربوية أن تفشل هذا النظام المالي ، وركزت على تشويهها ، وعلى أن هذا العالم المعاصر لن يتقبل هذا النظام الإسلامي في أي حال ، لان الاقتصاديين في الغرب يزعمون الإسلام ليس عنده نظام اقتصادي ، وهو لايسعف الإنسان في أي مرحلة اقتصادية ، ذلك لان هؤلاء المساكين لا يعرفون أن النظام الاقتصاد الإسلامي يستوعب جميع الحاجات المادية للإنسان ، ويشمل العدالة بالمعنى الأوسع ، وينقذ الإنسان من قاذورات الربا ، التي يستغيسها الغرب المادي . ويعتبرها الإسلام جريمة كبرى ، يقول الله تبارك وتعالى في كتابه العظيم : [ الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (275) يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم (276)] من "سورة البقرة" .
قد مر على المسلمين دور كانوا بحاجة إلى صيانة أموالهم في البنوك الربوية ، إذ لم يكن هناك ما يلجاءون إليه لصيانة الأموال ، ولكن طائفة من علماء الاقتصاد المسلمين درسوا موضوع المصارف بدون الربا ، وفكروا في كل ما يتخذون عمدة للتبادل المالي في التجارة والقروض ، وتوصلوا إلى أن إنشاء البنوك الإسلامية بالاتقاء من تبادل يشوبه الحرام يمكن رغم عرقلة البنوك الربوية الطريق نحو تنظيم البنك الإسلامي ، لكي يكون نموذجا للعالم الإسلامي ، وحتى للعالم الغربي كذلك .
إن إفلاس البنوك الربوية الكبرى في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من بلدان الغرب أصدق دليل على أن الربا لا مكان له في التشريع الإسلامي ، كما أن وجود المصارف الإسلامية في العالم اليوم أكبر شاهد على أن الطريق الطبيعي هو ما بينه الإسلام ، والذي بدأ المفكرون الغربيون يدرسون إمكانيات إقامة البنوك اللاربوية ، لأنهم قطعوا آمالهم عن الطريق الذي ساروا عليه إلى مدة طويلة ، هذا التفكير قد عم في جميع أنحاء العالم منذ أن عانى العالم من الأزمة المالية والإفلاس الشائن ، وسموا ذلك نظام البنوك غير الربوي إن الاعتراف بفشل النظام المالي الاقتصادي في الغرب يؤكد أن الفكر الغربي قد تغير في هذا الموضوع ، وهو يبحث عن بديل يحل محله ، ويستدرك ما قد فاته من جملة المنافع المالية التي كان يجنيها بمشاريعها المالية والتجارية العملاقة ، التي يمارسها في جميع أنحاء العالم ، فمن كان أغنى أغنياء العالم بالأمس ، أصبح فريسة المعاناة الاقتصادية والمالية ، مما كثيرا ًمن الخبراء الاقتصاديين يدرسون نظام الإسلام الاقتصادي والمالي ، ويرون فيه مخلصاً من هذه الأزمة المالية ، التي تدك قصور الأغنياء والمرابين ، وقد ظهرت تباشير العودة إلى إنشاء بنوك بلا ربوية ، وذلك هو النظام الطبيعي الذي يتفق وطبيعة الإنسان ، المفطور على فطرة الله تعالى [فطرة الله التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ] من ثم تعود علينا مسئولية هذا النظام الإسلامي وكيفية تصرفه القنوات التجارية ، وتنفيذ ما فرض الله إلى الأغنياء من أخذ أموالهم وردها إلى الفقراء ، وذلك من مال الزكاة والصدقات والإنفاق في سبيل الله بالطرق المشروعة التي شرعها الله تعالى ، [ يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ] إلى آخر الآية .
وبالنظر إلى الصحوة المالية التي نالت طريقها نحو الصفوف الغربية بشيء كثير من الجدية يحسن بنا – نحن المسلمين – أن نقوم بتبيين الطريق الصحيح للتعامل المالي وإقامة البنوك على أساس من التجارة الخالصة ، بالمضاربة والمرابحة وما إلى ذلك ، ولا يتم ذلك بإبداء المحاسن الإسلامية قولياً ، إنما يتم تطهير المجتمع من جميع أنواع الربا بالتخطيط العملي الكامل ، وتقديم النموذج الحي إلى أصحاب البنوك الربوية ، التي تتطلب التخلص من التعامل الربوي ، وتريد أن تستفيد من نظام الإسلام المالي ثم تتحول إلى بنوك غير ربوية .
إن هذا الكلام ليس تكراراً أو اجتراراً لما قيل أو كتب في تحريم الربا الذي يوجد بأشكال مختلفة في التعامل المالي في الدول المادية ، ولكنه عمل جدي ، إذا تحقق عملياً في الأنظمة المالية ، فإنه سيتولى إنقاذ العالم البشري كله من متاعب الحياة ، ومشكلات الحكم وقضايا المجتمع ، التي تسبب له الشقاء بأصح معناه ، رغم توافر الوسائل والإمكانيات .
لقد قامت المؤسسات الإسلامية بالدعوة إلى دراسة هذا الموضوع من جميع نواحيه بطريق مباشر من خلال ندوات علمية تعقد لدراسة الموضوع بالانفتاح والانشراح ، ولا يحول دون ذلك اختلاف المذاهب الفقهية والفكرية .
أظن أن هذا الوقت ملائم لوضع منهج كامل في ضوء الكتاب والسنة وتعامل المجتمع الإسلامي ، فليس ذلك مشكلة لا تجد لها حلاً إذا كانت النيات صادقة ، والعزايم راسخة في النفوس وكان جد الجد ، وإذا تحقق شيء بالنظام الإسلامي المالي والاقتصادي ، لاتخذته دول العالم المادي ومصارفها أساسا كما قد ظهر من بعض الجهات المادية إقامة بنوك لا ربوية .
ومن هنا جميع خبراء الفقه الإسلامي وعلمائه في العالم الإسلامي مسئولون عن انتهاز هذه الفرصة المتاحة من الله تعالى لكي يقدموا للعالم المادي أنموذجاً مثاليا عمليا وأسلوباً حكيماً لإنقاذ المؤسسات المالية المادية من ويلات الربا وأضراره البالغة في مجالات الحياة الفردية والجماعية كلها . كان قد بلغ التعامل الربوي في النظام الاقتصادي الحديث في جميع المجالات الحيوية من الشمول إلى درجة قصوى ، حيث لم يعد أفراد المجتمع – إلا من عصمه الله – بمعزل عن لفحة من لفحاته ، سواء بطريق مباشر أو غير مباشر ، ونتيجة هذا الشمول الهائل ثارت أسئلة واستفتاءات حول مسألة الربا من مختلف طبقات المسلمين أفراداً وجماعات يتساءلون عما إذا كان هناك طريق يبرر التعامل مع البنوك والمؤسسات التي تتعامل بالفوائد الربوية .
وسيجد القارئ الكريم جواباً وجيزاً عن هذه التساؤلات في هذا المقال – بإذن الله تعالى - . وسوف لا يكون هدية الإسلام أعظم وأغلى من هدية النظام الإسلامي المالي الطاهر الزكي ، فقد قال الله عز وجل : [ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ] (البقرة الآية /278) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجتنبوا السبع موبقات ، قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ! وما هن ؟ قال : الشرك بالله ، والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وأكل الربا وأكل مال اليتيم ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات (متفق عليه) . وعن مسعود رضي الله عليه قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله ، (رواه مسلم) وزاد الترمذي وغيره : وشاهديه وكاتبه . وصلى الله تعالى على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
سعيد الأعظمي الندوي 12/4/1430هـ